الشيخ السبحاني
256
بحوث في الملل والنحل
عُقِر به فرسُه وجُرِح فدفعه إلى قومه ثمّ سار بالناس ليلته ، وأصبح الحصين ليلتقيهم فلم يرهم ، فلم يبعث في آثارهم ، وساروا حتى أتوا قرقيسيا فعرض عليهم زفر الإقامة ، فأقاموا ثلاثاً ، فأضافهم ثمّ زودهم وساروا إلى الكوفة . ثمّ أقبل سعد بن حذيفة بن اليمان في أهل المدائن فبلغ « هيت » فأتاه الخبر ، فرجع فلقي المثنى بن مخربة العبدي في أهل البصرة بصندوداء ، فأخبره ، فأقاموا حتى أتاهم رفاعة فاستقبلوه ، وبكى بعضهم إلى بعض وأقاموا يوماً وليلة ثمّ تفرقوا ، فسار كل طائفة إلى بلدهم . ولما بلغ رفاعة الكوفة كان المختار محبوساً ، فأرسل إليه : أمّا بعدّ فمرحباً بالعصبة الذين عظّم اللَّه لهم الأجر ، حين انصرفوا ورضي فعلهم حين قُتِلوا ، أما وربّ البيت ما خطا خاط منكم خطوة ، ولا ربا ربوة ، إلّا كان ثواب اللَّه له أعظم من الدنيا . إنّ سليمان قد قضى ما عليه ، وتوفّاه اللَّه ، وجعل وجهه مع أرواح النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، ولم يكن بصاحبكم الذي به تنصرون ، إنّي أنا الأمير المأمور ، والأمين المأمون ، وقاتل الجبارين ، والمنتقم من أعداء الدين ، المقيّد من الأوتار ، فأعدوا واستعدوا وأبشروا ، أدعوكم إلى كتاب اللَّه ، وسنّة نبيه ، والطلب بدم أهل البيت ، والدفع عن الضعفاء وجهاد المحلين ، والسلام » « 1 » . هذه هي ثورة التوابين ، المشرقة ، وهممهم العالية ، وتفاديهم في سبيل الهدى ، وقد بُذل لهم الأمان فلم يقبلوا فقد : « صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ » « 2 » فقد قاموا بواجبهم فما رجع منهم إلّا قليل بعد اليأس من الغلبة على العدو فرجعوا إلى أوطانهم ولحقوا بعشائرهم وبذلك ابتغوا أنّ الوظيفة بعد باقية ، على عاتقهم . وهناك كلمة قيمة للمحقّق شمس الدين نأت بها : « لقد اعتبر التوابون أنّ
--> ( 1 ) . الجزري : الكامل : 4 / 175 - 186 . ( 2 ) . الأحزاب : 23 .